يواجه القطاع الإعلامي في ليبيا منذ سنوات حالة من الشتات والتشرذم التشريعي، حيث يعتمد المشهد الإعلامي على قوانين قديمة لا تتماشى مع العصر الرقمي، أو على قرارات وتنظيمات صادرة عن جهات تنفيذية وأوامر فرضتها ظروف الانقسام السياسي. ولضمان تحول ديمقراطي حقيقي ومستدام، أصبحت الحاجة ملحة لصياغة قانون جديد وشامل للإعلام في ليبيا يؤسس لحرية التعبير ويضمن استقلالية المؤسسات الصحفية.
أولاً: الواقع الحالي والحدود التشريعية
تعتمد البيئة القانونية للإعلام حالياً في ليبيا على نصوص موروثة مثل قانون المطبوعات رقم (76) لسنة 1972، إضافة إلى مواد متفرقة في قانون العقوبات ترجع لعقود طويلة وتتضمن عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر. هذا الفراغ في التشريعات الحديثة أدى إلى:
1. تزايد معدلات التضييق وخطاب الكراهية دون وجود آليات منظمة وضابطة.
2. غياب الهياكل المستقلة الناظمة لعمل البث المرئي والمسموع والرقمي.
3. عدم وجود حماية قانونية صريحة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
ثانياً: المبادئ الأساسية للنموذج المقترح
لصياغة قانون إعلام مستقبلي يلبي تطلعات الشارع الليبي والمؤسسات الصحفية، يجب أن يستند إلى المحاور التالية:
إلغاء العقوبات السالبة للحرية: تحويل المخالفات الصحفية من القوانين الجنائية إلى القانون المدني (الغرامات المالية المحددة) ومنع حبس الصحفيين في قضايا النشر والرأي.
تأسيس هيئة تنظيمية مستقلة: إنشاء الهيئة الوطنية العليا للإعلام تتمتع بالاستقلالية المادية والمالية عن السلطة التنفيذية، وتتولى تنظيم منح التراخيص وتوزيع الترددات.
ضمان الحق في الوصول إلى المعلومات: تضمين بند صريح يُلزم المؤسسات الحكومية بتسهيل حصول الصحفيين على البيانات والمعلومات العامة.
تنظيم الإعلام الرقمي والوسائط الحديثة: وضع أطر واضحة تغطي صحافة الذكاء الاصطناعي، المنصات الإلكترونية، والشبكات الاجتماعية، بما يحمي حريتها ويحد من الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية.
حماية الصحفيين وتأمين المصادر: توفير بيئة أمنية وقانونية تضمن سرية المصادر الصحفية ومنع الاعتداء أو الاحتجاز التعسفي.
ثالثاً: الهيكلية التشريعية المقترحة للقانون
يتكون نموذج قانون الإعلام المستقبلي من أربعة أبواب رئيسية تتكامل فيما بينها لتأطير المشهد الإعلامي:
الباب الأول: المبادئ العامة وحرية التعبير
يركز هذا الباب على تأكيد الحريات المضمونة دستورياً، وحظر فرض أي رقابة مسبقة أو تفتيش على وسائل الإعلام، مع تحديد التعريفات القانونية للصحفي والمؤسسة الإعلامية والمحتوى الرقمي.
الباب الثاني: حقوق الصحفيين والواجبات المهنية
ينظم هذا الباب أطر الحماية القانونية للصحفيين أثناء أداء مهامهم، ويضمن حقهم في حماية سرية مصادرهم، مع التأكيد على الالتزام بالمعايير المهنية وميثاق الشرف الأخلاقي للحد من التضليل والإساءة.
الباب الثالث: الهيئة الناظمة وحوكمة الإعلام
يحدد القواعد التنظيمية لعمل الهيئة المستقلة للإعلام، وشروط منح التراخيص للمؤسسات المسموعة والمرئية والإلكترونية، إضافة إلى وضع آليات لضمان شفافية مصادر تمويل الوسائل الإعلامية لمنع المال السياسي الفاسد.
الباب الرابع: تحويل إعلام الدولة والمسؤولية القانونية
ينص هذا الباب على إعادة هيكلة الوسائل الإعلامية المملوكة للدولة لتحويلها إلى "إعلام خدمة عامة" محايد ومستقل. كما يُلغي العقوبات الجنائية ويحصر العقوبات في التعويضات المدنية وآليات التنظيم الذاتي عبر مجالس الصحافة.
إن إصلاح قطاع الإعلام في ليبيا يمثل حجر الزاوية لبناء دولة القانون والمؤسسات ، ولا يمكن لهذا القانون المقترح أن يحقق نجاحاً حقيقياً إلا إذا جاء نتيجة للحوار المجتمعي والمهني الشامل بين الصحفيين، الحقوقيين، والمؤسسات التشريعية، لضمان صياغة قانون متوازن يحمي حرية الصحافة وخدمة المصلحة العامة.




