لم تعُد المسافة بين تغريدة مشحونة بالغلّ وحادثة اعتداء في أزقة المدن سوى مسافة نُقرة على شاشة زجاجية صغيرة، هذا ليس تحذيراً متخيلاً من روايات أدب المدينة الفاسدة (الدستوبيا)، بل هو الواقع اليومي الملموس الذي نعيشه في ظل الإعلام الرقمي، لقد وُعدنا يوماً بأن منصات التواصل الاجتماعي ستكون الفضاء المشاع الأكبر للحوار الإنساني، وقاطرة الديمقراطية والتواصل بين الشعوب، غير أن الحقيقة التي باتت تُفقأ الأعين هي أن هذه المساحات تحوّلت -بفعل جشع المال والتصميم التقني المحسوب- إلى بيئة نموذجية لإنتاج خطاب الكراهية وتغذية الانقسامات.
تكمن الإشكالية الكبرى في أننا لا نواجه مجرد نزعات فردية للتعصب، بل نتعامل مع نظام هندسي مُبرمج يتعمّد إذكاء الغضب، تشير أدبيات الاقتصاد الرقمي الحديث إلى ما يُعرف بـ "اقتصاد الانتباه"؛ حيث أدركت الشركات العابرة للحدود أن المحتوى المستفز، والمشبع بنبرة العداء والتخوين، هو الأقدر على شدّ المستخدم واختطاف انتباهه لمدد أطول، وبموجب هذا المنطق التجاري الصرف، أصبحت الخوارزميات كائنةً صمّاء تُكافئ الخطاب المتطرف وتدفعه إلى واجهة التداول، بينما تُهمش الأصوات العقلانية التي تدعو إلى التهدئة والتسامح، إننا أمام مفارقة أخلاقية غير مسبوقة: الكراهية تُباع كسلعة، والغضب مجرد رقم في قائمة الأرباح.
وقد ترتب على هذا الشغف التجاري تغذية ظاهرة "فقاعات الترشيح" أو ما يُعرف بغرف الصدى؛ حيث يُسجن المستخدم داخل مجتمعات مغلقة لا ترى إلا ذاتها، ولا تسمع إلا صداها. في هذه الغرف المغلقة، يتلاشى منطق الحوار وتبادل الأفكار ليعقُبه الاستقطاب الحاد. يُحوّل الآخر -سواء كان يختلف معك في الدين، أو النوع الاجتماعي ، أو الموقف السياسي- إلى عدوٍّ وُجودي يجب شيطنته. وهكذا، تسربت لغة الشارع الرقمي الهابطة لتُسمم النسيج المجتمعي، فتراجعت ثقافة التسامح أمام طوفان من التخوين والاقصاء.
ولعل الأزمة تتفاقم حين نتأمل العجز المزمن في التعاطي مع هذه الظاهرة، فالشركات المالكة للمنصات تكتفي غالباً ببيانات اعتذار خجولة، وتلقي بالمسؤولية على عاطفية "الذكاء الاصطناعي" الذي يُثبت يومياً خيبته في فهم السياقات الثقافية للغات والمجتمعات المختلفة، بل وفي أحيان كثيرة تُتخذ محاربة خطاب الكراهية ذريعةً لتكميم الأفواه ومصادرة حرية التعبير المشروع. وفي المقابل، تقف التشريعات الحكومية متأخرةً بخطوات عن التطور التقني المذهل، محصورةً بين خطر الرقابة السلطوية وعجز الآليات القانونية التقليدية عن كبح جموح الفضاء العابر للحدود.
إن الخروج من هذه المتاهة لا يكون عبر النوايا الحسنة ولا ببيانات الشجب والاستنكار، إننا بحاجة ماسة إلى إجماع أخلاقي وقانوني جديد ،إجماع يفرض على شركات التكنولوجيا الشفافية المطلقة في عمل خوارزمياتها، ويُحملها المسؤلية الأخلاقية والجنائية عن المحتوى الذي ترعاه وتنترحه على شاشات الملايين. وفي الوقت ذاته، لا بد من الاستثمار الجاد في التربية الإعلامية والنقدية للجيل الجديد، ليتعلم كيف يفكك الرسالة الرقمية قبل أن ينقاد وراءها، وكيف يفرق بين حرية التعبير المكفولة ولغة التحريض المدمرة.
إن الإعلام الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تزجية الوقت، بل هو المشكل الأساسي للوعي الجمعي في عصرنا،وإذا لم نتدارك خطورة هذا التنين الرقمي الذي يقتات على غضبنا ونزاعاتنا، فإننا سنستيقظ قريباً على مجتمعات ممزقة، فقدت قدرتها على الحوار، واستبدلت بعقلانية الفكر بؤس التحريض والكراهية.