Jun 30, 2022 Last Updated 7:00 AM, Jun 28, 2022

جدلية المثقف والمجتمع ...بين مد وجزر  مميز

جدلية المثقف والمجتمع ...بين مد وجزر  جدلية المثقف والمجتمع ...بين مد وجزر 

التقتهم/ حنان علي كابو 
تظل العلاقة التي تجمع بين المثقف والمجتمع متشابكة مبنية على عدم التوافق وكل منهما يشير للاخر بأصابع الأتهام والتقصير ، فهل تفاوت مستويات وضوح المفاهيم من خلقت هذه الجدلية ؟وهل ركود المجتمع ونزعته للجمود والثبات واتهام المثقف بالتعالي والعزلة ساهمت في خلق جدرانا من الصمت ؟ولماذا تجابه الافكار العميقة بالسطحية ؟وما العمق الذي يبحث عنه المثقف ويرفضه وينبذه المجتمع ؟


كشف العلاقات الزائفة

 
يرى الكاتب علاء بن دردف إن الذي يحدد العلاقة بين المثقف والمجتمع ،هو طبيعة تعريف الثقافة والمثقف وتعريف المجتمع ،وأضاف "الواقع ليست علاقة صراعية بل جدلية كيف يتحول الإنسان أو يطلق عليه صفة المثقف لانه خرج من تخصصه الأصلي الذي ربما يكون أديبا أو قاصا أو شاعرا أو فنانا أو باحثا في أي صفة أو صنعة كانت لكنه تحول إلى صفة المثقف عندما تبني قضايا المجتمع ويحاول أن يدافع عنها ويطالب بحقوقه ولديه تصورات لحل هذه القضايا ،فهو السابق للمجتمع في المعرفة بحكم تخصصه واهتماماته ."
وتابع معلقا حول سؤالي اتهام المثقف بنظرة التعالي والعزلة "تعالي المثقف عن قضايا المجتمع وانعزاله ونرجسيته تسلب عنه صفة المثقف ،لانه غير قادر على تفهم قضايا المجتمع والجماهير ،فتعاليه وانعزاله سيصير نخبويا فائويا لمجموعة من المتعلمين والمثقفين لايكتسب صفة المثقف كما عرفه "كارنيش " تبني قضايا الجماهير ووضع حلول وتصورات لها ."
عادة المجتمع سلوكه يتبع بعضه بعضا ربما المجتمع غير قادر على ادراك مصلحته من تلاعب المتلاعبين برؤيته وعقله مع تطور امكانيات التطور الحديثة ،أصبحت فكرة قيادة الجماهير من خلال وسائل الاعلام ،واصبح بالامكان السيطرة وقتيا ولحظيا في المجتمعات وبالتالي دور المثقف هو كشف العلاقات الزائفة وتعريف المجتمع بمصالحه الحقيقية ومحاولة الارتقاء به من خلال تعمقه .
فالسطحية مصلحتها آنية ،أنما المثقف ينظر الى المصلحة الدائمة والشاملة ،فالمجتمعات بطبيعتها قصيرة الذاكرة والنفس وهنا يأتي دور المثقف بتذكريها بأهدافها الأستراتيجية والدائمة .
المسألة هي البحث عن الحقيقة والحلول الدائمة في مقابل الحلول المزيفة والمؤقتة ومصالح كاملة مقابل جزءية .

 رفض التبعية 


"علينا أن نتفق إن المثقف، هو أحد أفراد المجتمع، وإن كان المجتمع لا يعترف به أو يجده متعالياً. " هكذا استهل الكاتب ومدير موقع بلد الطيوب رامز النويصري  حديثه قائلا "
هذا المفتتح مهم لفهم نظرة المثقف للمجتمع؛ فهو -أي المثقف- لا يريد أن يكون احد أفراده المنقادين لما يقرره هو بالاستناد على موروثه من العادات والتقاليد والأعراف. فالمثقف يرفض التبعية، ويسعى إلى تكسير القوالب التي تحجم من عقله وتضيق عليه آفاق التفكير والتبصر في الحوادث والاستفادة منها، بدل الانقياد لها. على العكس من طبيعة المجتمع التي تركن إلى الدعة والحفاظ على سيرورتها ونمطها الذي يضمن السلامة لجميع الأفراد، دون وجود هامش للمغامرة. ولكي يدافع المجتمع عن نفسه، يتهم المثقف بالتعالي، والخروج عنه، مما يجعله يركن للعزلة ويبحث عنها مخافة الصدام، مما يعمق يزيد من ارتفاع الجدال الذي نشأ بينهما؛ المجتمع والمثقف. والمجتمع لا يدرك إن المثقف، ليس معزلا إنما هو الآن قريب منهم، بعد أن تخلص من التشويش والحصار، وصار بإمكانه قراءة المشهد بسهولة ورؤية الأحداث بوضوح، وأنه بقدر ما يذهب عميقا، يتعلق المجتمع بالسحط مخافة أن ينكشف على الحقيقة؛ حقيقته."
تتصادم الأفكار 
وأكد الناقد احمد التهامي إن ثمة ثمة تفاوت في المفاهيم بين المثقف والمجتمع  ومن واجب المثقف ان اراد تاثيرا وفاعلية في المجتمع ان يحول التفاوت لخدمة تاثيره في المجتمع وأن لا يسمح للتفاوت بإحداث مسافة بينه وبين مجتمعه
وشخص الوضع الذي يعيشه اي مجتمع هو محصلة تاريخ و تطور كما انه ايضا حصيلة جهد مثقفيه وأضاف "فاذا كان ثمة جمود فيجب ان يبحث المثقف في اسبابه وعليه احداث حركية ثقافية تقاوم الجمود دون صدام مع المجتمع"
فمن الطبيعي ان تتصادم الافكار وعلى المثقف ان لا يكون عبدا لفكرة الافكار وجدت لتخدم البشر وليس العكس،المثقف يفترض فيه ان يخدم قضية تطور مجتمعه وتقدمه وهذا هو المبدأ الذي يحكم سلوكه وحركته.

نتاج معرفة لاتتوافق مع البنى الفكرية

 
وأشار القاص الكاتب فتحي نصيب إن ( المجتمع) و(المثقف) مصطلحان شائكان. فأي مجتمع يتركب من خليط غير متجانس من الشرائح والطبقات والقيم المادية والمعنوية. وهذا يترتب عليه اننا نتحدث ونصف مجموعة من البشر قد لاتجمعهم روابط مشتركة بل متباينة وفي بعض الاحيان متضاربة المصالح والرؤى . 
وأدرف قائلا "شريحة المثقفين ايضا عبارة عن جماعة من أفراد يمتلكون السلطة المعنوية وينتجون ما يسمى بالرأسمال الرمزي. كل مثقف ينتمي فكريا واجتماعيا الى شريحة ما في المجتمع ، يقول ما لا يستطيع افراد شريحته  التعبير عنه.
ويصل في رؤيته أن ( جدل المثقف والمجتمع) يعود اساسا الى ان المثقف ينتج معرفة قد لا تتوافق مع البنى الفكرية المتننوعة والمتضاربة لباقي افراد المجتمع ، الذي يصنف تحت خانة هيمنة البنى الثابتة نسبيا أو عدم معرفة المثقف للمتغيرات  الأساسية والثانوية في الحراك الاجتماعي، وهو مايطلق عليه نظرة التعالي أو العزلة .
تلعب السلطة السياسية دورا مهما من خلال تهميش المثقف  وابعاده عن المشاركة في الصراع أو تقريبه اليها ليكون معبرا عنها من خلال التمجيد أو التبرير.

النسبية مفتاح الجدلية .


ومن جانب آخر ترى الشاعرة الروائية عزة سمهود إن الحديث عن الجدلية بين المثقف والسلطة لا علاقة لها بمدى التفاوت في مستويات الوضوح من عدمها، "برأيي، لأنّ الجدلية والنقاش الكلامي والاختلاف البنيوي المستوجب لهذا الجدل هو الذي وسّع قاعدة المفهوم وجعله يبدو شاسعاً كلما اتسعت قاعدة التعريف للجدلية، التي أراها تُرى من كل زاوية بمنطق الرؤية الداعمة لصاحبها، وهذا يذكرني بمنطق الإشارة للقمر مثلاً، فبعضهم يناقشه من حيث دلالته، وبعضهم من ناحية مفهومه الملهم، وبعضهم من ناحية الكتلة الضوئية"
وأردفت قائلة ". إنّ تفاوت مستويات الأفهام والثوابت التي يراها أصحاب الرؤى منطقية في نظرهم هي التي جعلت هذه الجدلية تأخذ منحى الاختلاف وهذا بحد ذاته تعريف جذري للجدلية، بوصفها جدلية. لا يأد الصراع بين المثقف والسلطة سوى نظرة الجمود التي اتهم بها المثقف المجتمع الساعي والنائي بفصاليته عن المثقف، وهذا تناسب طردي، لأنه كلما نزع المجتمع للجمود مال المثقف لتحريكه، وبالتالي ينبثق المعنى الأصيل للجدلية "
وتواصل في مقارناتها قائلة  "الأفكار العميقة لا تميل للإيمان بالأفكار البسيطة، فالمثقف الذي أبحر زمناً طويلاً في مقاومة أدوات الصراع يرفض تسطيح كل شيء حوله، وهو الذي يضفي سمة العمق للصراعات حتى أنه أحياناً يُتهم بتضخيمها وإعطائها حجماً غير الذي نشأت عليه، ولعل ذلك يعود إلى غياب البيئة التي حول المثقف بحيث يكون من الطبيعي أنها كلما كبرت ظاهرة اتسع حولها محيطها، لكن في مجتمعاتنا حين تبدو البيئة طاردة للمثقف، ومحيط الظاهرة يضيق عن فهمها يتحول المثقف إلى حالة الانطواء من عدم استيعاب عمق الأفكار التي يجادل بها وبالتالي يُتهم بالتعالي فينبذه المجتمع ويستبعده. لابد من إيجاد صيغة متنوعة تتناول فلسفة المفهوم وتُسقطه على أدوات الصراع السلطوي،"
وخلصت  " لقد رأيتُ في بعض البرامج الثقافية تلك الجدلية تتجسد كأنها تقدم نفسها نمطاً أو نسقاً طبيعياً لها سمات الاختلاف في الرؤى والتعدد في طرح المفاهيم والقبول به من زوايا عدة، ذلك لأنّ الرؤى تُطرح نابعة من توجهات عدة وتُترك على عناتها ليؤخذ منها ما يتكيّف مع أدوات الصراع دون مصادرة لحقوق التعبير عن جدليتها حول تضادها الكمي والكيفي، وهنا أشير إلى أهمية وقوع المناظرات الفلسفية التي تستحضر في أذهاننا فلسفة هيجل ورايمون آرون وماركس لا لسبب إلا لنقرأ من كل الجهات ونفهم أن النسبية في كل شيء هي مفتاح الجدلية في قراءة أدوات الصراع .

القولبة والجاهزية المسبقة .


وفي تقديرها تشير الكاتبة والشاعرة مناجي بن حليم إن  قضية المفهوم في الثقافة العربية لازالت تعاني خلطا وتشويشا ماانعكس جليا على ثقافة أجيال متعاقبة ، وأضافت "وإن وجدت محاولات عدة لاستجلاء الغامض ، وتيسير المعسر ، وتقريب المفاهيم ، فمن الطبيعي إذا ان هذه الإشكالية لحقت المثقف في مجتمعنا ، واربكت المشهد الثقافي احيانا كثيرة ، إن القبض على المفهوم ومحاولة تطويعه لخلق بنية ثقافية جيدة يحتاج لعديد القراءات خارج المنظومة القديمة وكذلك لابد من استحثات الهمم اللغوية واستنهاض الترجمة بالشكل الملائم للعمل الثقافي.

وتشخص بن حليم قائلة "فيما يخص المثقف عندنا اظن ان هناك هوة بينه وبين المجتمع وكثيرا مايسهم في ترجمتها إلى عزلة إما إراداية اوعن غير إرادة منه ، فالمثقف احيانا ينكفىء على ذاته هربا من حالة الاغتراب التي يمارسها المجتمع عليه بتقييد زمنه بغابر الأفكار المقيدة للإبداع ، والحريات ومن هنا يلجأ لطوق نجاته في اختياره لعالم يمارس فيه حالات التفرد وربما الجنون في بعض الوقت ودون ان يفسر مالايحتاج لتفسير ولايقف عند عقبة الممنوع والمرغوب ، ومن هنا تنشأ حالة التعالي وقد تنقلب إلى أنا في بعض الحالات وتنسحب العزلة تدريجيا ومعها يضيع دور المثقف في قرارات الدولة ، وفي فرض التغيير على جميع المستويات فنراه دائما محشورا في زاوية ضيقة لاتليق بدوره في ضبط مفاهيم التغيير.
الرؤية تحتاج لأفكار ذات عمق كي تنتج تغييرا داخل منظومة تعودت القولبة والجاهزية المسبقة لكل ماهو سهل وسريع ماجعل المجتمع في حالة تسطيح للمفهوم، وحتى للعمل فقلما يقابلك عمل أدبي اودرامي او فني متكامل فالذائقة تدفع مسبقا إلى بنية هشة تحتاج لإعادة الإعمار الفكري كثيرا.
فالمثقف الحقيقي يبحث عن الجودة المعرفية والثقافية ، ويهمه البحث عن جوهر العمل الأدبي الذي يرتقي لحالة من التماهي بينه وبين مايطرح وبينه وبين ماينبغي ان يكون من حالة الدهشة التي تصالحه مع ذاته ، وتخلق نوعا من التوازن بين الرؤى والمفاهيم وهي ماهو عليه في أعلى درجات إيمانه.

علاقة متوترة 


وترى  الكاتبة والقاصة انتصار بوراوي جدلية علاقة الكاتب بالمجتمع من الطبيعي أن لا يكون الكاتب متماهيا مع المجتمع ، وإلا فما جدوى كتاباته وما جدوى فكره وطرحه أساسا. وتضيف "الاختلاف مع المجتمع هو عصب الكتابة ، عند الكاتب لأنه من المفترض أن يكون للكاتب رؤية مختلفة عن رؤية العامة والمجتمع ،وخصوصا فى مجتمعاتنا العربية التي تركن للسكون و عدم استعمال العقل في كثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية. الكاتب سواء كاتب مقالة أو قاص أو شاعر أو روائى ، يطرح فكره ورؤيته من خلال كتاباته التي يجب أن لا تتماهى مع المجتمع ،بل تظهر زواياه وخفاياه وتكشف المسكوت عنه فى زوايا الصمت والخوف. المجتمع العربي والليبي بالضرورة ، مجتمع لا يفهم الكاتب ، وفى أحيان كثيرة يحاربه و يمارس عليه سطوته ، لمحاولة تدجينه ،كى يسير مع اعتقاداته وتفكيره ولكن الكتابة هي ابنة الحرية والحلم اللذان هما وقود الكاتب ،"
وتشير بوراوي  إن  علاقة الكاتب مع مجتمعه متوترة وفي هذا الصدد تقول "رأينا ذلك فى كثير من المواقف التي تعرض فيها الأدباء للحروب والتهديدات مثل ما حدث ،مع أدباء كتاب"الشمس على نوافذ مغلقة"، حين استنفر المجتمع كل أدواته الرقابية والهجومية ، نحو الأدباء الشباب الذين ساهموا بالنشر فى هذا الكتاب لأن المجتمع رأى بأن الكتاب تجاوز ،مفاهيمه الاجتماعية وخرج عنها فكان الرد هو الاتهامات والتهديدات بالويل والثبور. إذا العلاقة بين الكاتب والمجتمع الليبى ، وخصوصا الكاتب الذى يحمل فكر ورؤية متمردة هي علاقة متوترة دائماً ، وليس من مهمة الكاتب أن يكون متماهى مع المجتمع الذى يعيش فيه أو مطأطئ الرأس لشروطه ومعاييره ، وإذا فعل ذلك فلن يكون كاتب حقيقى. كما أنه ليست مستويات وضوح المفاهيم من خلقت هذه الجدلية ،من عدم الفهم والرفض من المجتمع للكاتب أو الكاتبة بل هي انغلاق المجتمع على ذاته ،ورفضه للفكر المختلف هي سبب هذه الجدلية بين الطرفين ، ومن الطبيعي أن تكون الأفكار العميقة هدم للسطحي فهذا هو دور الكتابة والفكر ،وعلى مر التاريخ البشرى كان دور الكاتب والمفكر هو التنوير في المجتمعات وهدم جمود نسقها ،وليس مداهنتها أو الانصياع لها."

 

اشترك في نشرتنا الإخبارية

ليصلك كل جديد من أخبار ومقالات وأخر القضايا الساخنة ... ضع بريدك الإلكتروني هنا

أكثر قراءة

أعلن معنا هنا

 

أعلن معنا في الليبي اليوم

 

  • المقر بنغازي / ليبيا شارع عبد المنعم رياض/ عمارة الإعلام/ الدور الأول الهيأة العامة للصحافة بنغازي
  • +218.92.758.8678
  • +218.91.285.5429

 

read more